أدب المقاومة في الفكر الإسلامي

أدب المقاومة في الفكر الإسلامي



أ.حمدي الرازحي

منذ البواكير الأولى لتاريخ البشرية والإنسان يسعى لمقاومة ما من شأنه أن يهدد وجوده بالفناء أو يتسلل إلى حرم معتقداته وقناعاته ليشونه معالمها أو يطمس ملامحها، وتنوعت سبل المقاومة تلك وتعددت آلياتها وأساليب ليجد الإنسان نفسه في بعض مراحل التاريخ وجهاً لوجه أمام الآخر في معركة وجودية تبدأ بالكلمة والحوار وتنتهي بالصدام وما يكتنز به من ويلات ودمار واستئصال لوجود الإنسان وفكره ومعتقده.تلك كانت طبيعة الحياة في مجتمعات البشر، وهي طبيعة جسدت بأبعادها الدلالية صور الصراع القديم الجديد فيما بين الحق والباطل أو لنقل فيما بين القوى المستبدة الباغية وبين الفئات المستضعفة المسحوقة التي تسعى دائماً إلى إثبات وجودها وتحقيق حضورها الفاعل والدفاع عن حقها في الحياة وحقها في ممارسة معتقداتها وطقوسها بحرية تامة.لقد استحالت فلسفة الصراع إلى عقيدة راسخة في الوجدان الجمعي لنبي البشر، وثقافة تتوارثها الأجيال عن أسلافها جيلاً بعد جيل، وهي ثقافة استمدت رؤاها من فطرة الإنسان المجبولة على حب الحرية والتطلع إلى حياة كريمة تسودها العدالة والمساواة.وإذا كانت العصبية والنزعة الفردية إلى السيطرة والتملك قد أسهمتا في انحراف مفهوم المقاومة عن مسارها الصحيح المتمثل في الدفاع عن العرض والمال والنفس لتتحول إلى وسيلة من وسائل الإقصاء للآخر، فإن المعاناة الإنسانية التي سطرها التاريخ على صفحاته لأيام العرب ووقائعها تمثل نتيجة طبيعية لذلك الانحراف عن مسار الثورة الحقيقية في بعدها الإيجابي. وهكذا انقلبت المقاومة على أهدافها الإنسانية السامية والتي كانت تتمثل في مقاومة الاستبداد والظلم والانتصار للأعراض عندما تدنسها المطامع الأنانية الوحشية ونجدة الملهوف والمظلوم والدفاع عن القيم والمعتقدات، لتتحول إلى نوع من السلب والنهب والتدمير، وهذا ما نجده في قول القائل:

ومن لم يذد عن حوضه بسلاحه

                      يُهدَّم ومن لا يظلم الناس يظلم

 

  وعندما جاء الإسلام استطاع أن يقدم ثقافة إنسانية مغايرة في الشكل والمضمون لنمط الثقافة السائدة في العصر الذي سبقه، فمنظومة القيم التي جاء بها الإسلام وخلدها قرآناً يُتْلى.قد استطاعت أن تهذب أخلاق أتباعها وتربي نفوسهم على العزة والكرامة ورفض الضيم والقهر والاستبداد والوقوف صفاً واحداً في مواجهة الانحرافات التي تهدد كيان الأمة الإسلامية الواحدة بالزوال أو تسعى للنيل من عقيدتها السمجاء، فعقيدة الإسلام قد جاءت لتحرير البشر من قيود العبودية والظلم والامتهان ليدخلوا في عبادة الله الواحد الأحد وينعموا في ظلاله بالسكينة والسعادة والاطمئنان حيث تتحقق لهم الحرية والعدالة والمساواة.وهكذا كان الإنسان المسلم لا يغضب حين يغضب إلَّا لله، ولا يشهر سيفه حين يشهره إلا للدفاع عن عقيدة الإسلام أو الانتصار لمظلومية الإنسان.لقد انعكست تلك القيم الإنسانية الجديدة على الحياة الثقافية في واقع المجتمع الإسلامي وتمثلها الشعراء في أشعارهم، واتخذها المجاهدون شعاراً يتمثلونه في ساحة المقاومة والجهاد حتى أصبحت عنواناً لكل حركة جهادية على امتداد التاريخ الإسلامي.وهذا ما تجده في شعر شعراء صدر الإسلام، حيث يقول حسان بن ثابت شاعر الإسلام الأول في وصف معركة بدر الكبرى مفاخراً بانتصارات الدعوة الإسلامية:

 

ولقد نلتم ونلنا منكم

 

                      وكذلك الدهر أحياناً دُوَل

 

 

إذ شددنا شدة صادقة

              فأجأناكم إلى سفح الجبل

وعلونا يوم بدر بالتقى

              طاعة الله وتصديق الرسل

وتركنا في قريش عورة

                 يوم بدر وأحاديث مثل

 وهكذا تحددت أهداف المقاومة في الفكر الإسلامي بالدفاع عن دين الله تعالى ونصرة المستضعفين وهذا ما نجده في كل حركات المقاومة الإسلامية التي ظهرت بعد عصر الخلافة الإسلامية وبداية العصر الأموي ابتدأ بثورة الحسين بن علي عليه السلام في كربلاء في العام (61هـ) والتي دافع فيها عن الإسلام ضد انحرافات الدولة الأموية وتسلطها على رقاب المسلمين تحت شعار: (والله إن هي إلا سيرة محمد أو النار).وقد استطاع الإمام الحسين بن علي عليه السلام أن يترجم أهداف ثورته شعراً ثورياً خلده التاريخ واتخذ منه الثائرون نشيداً للمقاومة في كل زمان ومكان.وهكذا تجذرت روح المقاومة للظلم والطغيان في التراث الأدبي العربي متشبعة يروح الإسلام وقيمه وتعاليمه التي تدعو إلى مقاومة الفساد ومحاربة الطواغيت حتى قال بعض الشعراء:

عبد الأحجاروطاعة الرحمن

                 فرضاً جهاد الجائر الخوَّان

كيف النجاة لأمة قد بدلت

                       ما جاء في الفرقان والقرآن

فالمسرعون إلى فرائض ربهم

                           برئوا من الآثام والعدوان

والكافرون يحكمه ويفرضه

                           كالساجدين لصورة الأوثان 

 فالموقف هنا قد فرض سلطنة على أصحاب النفوس التي تأبى أن تقف مكتوفة الأيدي وهي تشاهد مظاهر القهر والتسلط.

تحرم الإنسانية من الاستمتاع بحقها في الحياة التي منحها إياها خالقها، وتحول بينها وبين الاستضاءة بأنوار الهداية الإلهية عن طريق تحريفها وتشويه معالمها والانقلاب على منظومتها الإنسانية الخالدة.من أجل كل ذلك تبلورت فلسفة الثورة واتضحت معالمها في فكر أهل البيت عليهم السلام وشربت بها نفوسهم وتربى عليها أبناؤهم.

 

عدد المشـاهدات 846   تاريخ الإضافـة 16/12/2015 - 13:00   آخـر تحديـث 15/12/2017 - 09:47   رقم المحتـوى 462
محتـويات مشـابهة
اشترك بقائمتنا البريدية ليصلك كل جديد