جنونُ حبِّ الحسينِ -عليهِ السّلامُ- عقلاً

جنونُ حبِّ الحسينِ -عليهِ السّلامُ- عقلاً


 

 عبد الجبّار الحمديّ

 

كان لابد أن تكون لله وقفة تكون نقطة تحول في مسيرة قافلة الأنبياء والدين ، الذي اختاره أن يكون آخر الأديان ...

 

جاء الحسين إلى الدنيا وهو يحمل بداخله مكنون خلقه منذ الأزل وهو في عالم الذر ؛ ليجسده برصانة العبد المطيع لإرادة الله في التضحية بنفسه وأهل بيته والصحبة المنتخبة من الله ... تلكم النخبة التي فازت بالجنة إلى أبد الآبدين ،حباً في الله وبمحمد وآل بيته ،وحباً في سبط الرسول الذي كان يعلن حبه له في أي محفل ودموع عيناه الطاهرة تشهد أنه القربان إلى الله لثبات الدين المحمدي... ولا أحد ينكر أبداً ماردّدَهُ الرسول الأعظم حين قال في أكثر من مشهد( حسين مني وأنا من حسين)  كأنه أراد لأولي الألباب أن يعوا ويعقلوا مدى شأن الحسين عند الله سبحانه وتعالى بعد أن سمى محمداً حبيب الله وذاك يعني أن الحسين هو أيضاً حبيب إلى الله وقد خصَّه بهذه التضحية؛ ليخلد ويُخلّد الهدف الأسمى الذي أراده الله؛ فلابد ان تكون هناك نقطة تحول إلهية آدمية تكون بمستوى تفكير العقل البشري ولم يُرِدْها خارقةً كما فعل في كثير من الأمم السابقة أصحاب المدن والقرى التي خسف وعصف بها الأرض أو أنزل عليها كسفاً من السماء... حكمةً  منه في سر البقاء إلى يوم القيامة...

إن الله أراد للحسين أن يكون الذبيح الطاهر والعظيم لتتركز قضية البشرية التي كانت منذ الخليقة في أن الانسان ظالم لنفسه ... ولا أريد أن أخوض بتفاصيل لماذا ؟؟؟ وكيف ؟؟؟ وما هي الاسباب؟؟؟ كون الله قادر على كل شيء لكنها رسالة قد قالها في بداية الخلق لملائكته حين سألهم وقال عز من قائل: ( إني جاعل في الأرض خليفة )... ولعل ردهم لجلالته بما قُدر لهم معرفته وقد أنهى الحوار قائلاً : ( إني أعلم ما لا تعلمون ) هنا تكمن القدرة الإلهية والغيبية والغرض من خلق السموات والأرض بعد أن بَيَن للرسول محمد -صلى الله عليه وآله وسلم- عن لسان جبريل -عليه السلام- ما خلقت سماء مبنية وأرضاً مدحية إلا لأجل هؤلاء الأنوار الطاهرة المطهرة ( من حديث الكساء ) مكرمة لا يعلمها إلا من كان بمنزلة الأنبياء والأوصياء والأولياء...ماذا حب الحسين بن علي -عليهما السلام-  يتحول في ذكرى استشهاده إلى جنون يحمله الإنسان الجعفري الشيعي حتى يفقد به الشعور ليحيي كربلاء بطريقته الخاصة، تلك الطريقة التي لا يحسده عليها إلا من لم يجربها وينكرها ويضرب بها وبشعائرها وينعتها بالكفر ويكيل لأصحاب المذهب السب والشتم والكلام الموجع... ومع كل ما يدور حولها من تكفير وقتل وترهيب إلا أن حب الحسين في ذكرى واقعة الطف وأربعينيته يزداد بثقل جنون محبي الحسين فتخط الأقدام سيراً أياماً طوال تكاد تكون متصلة من كل شبر في الأرض العراقية والعربية والإقليمية والعالمية إلى كربلاء دون هوادة... فلا تنفك مسيرة الحسين ترسم بدماء من يتساقط على الطريق ... طريق الشهادة رغم محاولات كثير من الأيادي لتشويه الشعائر الحسينية بما يدفع مجانين الحسين حباً فيه وحرقة على ذبحه وأخيه العباس -عليهما السلام- ذاك الأسد الضرغام الذي جسد أروع وأسمى صورة للتضحية والعطاء بالنفس والنفيس والكرامة... فجوده على نفسه فاق الزمن والسِير التي ذكرت بعد أن رفض شرب الماء رغم وروده على نهر الفرات... أبت تربيته وعقيدته ورجولته وحبه أن يتذوق ما حُرم منه أخوه وبنات بيت النبوة وصحبتهم بسبب سفهاء أجلاف أصحاب الدنيا والمال ...

 

فعزف لحن الغضب واقعاً على الطف تضحية بروحه فداءً لأبي عبد الله الحسين -عليه السلام- فكان الوتر الذي كسر قوس الحسين بعد أن قطع حتى قال -سلام الله عليه- حين مصرع أبي الفضل العباس الآن انكسر ظهري... صور وعبر لا يمكن للعاقل الذي يحب الله ومحمداً ويؤمن بالرسالات أن يغض الطرف عنها وما القصد من تجسيدها برضا الله وقانونه أن تكون على أهل بيت النبوة وقتل سبط الرسول....و على المغاير والمتقلب الأهواء والذي يطعن بآل بيت الرسول وآل الحسين أن يسأل لم جعل الله قتل الحسين بهذه البشاعة والجبروت، هل أراد به غرضاً يدركه كثير ممن جهروا بالإسلام دون الإيمان؟ رياء فقط لدرء الموت وطمعاً بالتقرب من الملك والحفاظ على هيبة الكفر وعبد اللات والعزة...

 

ولعلنا لو رجعنا إلى كثير من السير والكتابات لعلمنا أن الله حين يحب عبداً يبتليه فما بالك بعبد أحبه الله وجعله حبيباً أسوة بمحمد ؟

 

هاجس يدور بخلد كل شيعي لماذا حب الحسين يبلغ إلى حد الجنون؟؟؟ لماذا الطفل الشيعي  يبدأ قلبه ينبض باسم الحسين ؛ ليخرج باكياً على مصيبة الحسين .. أما إذا قال أحدهم كل الأطفال تولد باكية؟ ... فأقول: نعم إنها تبكي الحسين أيضاً كونها ترى الصورة الحقيقية لواقعة الطف قبل أن يتلوث فكرها وخلايا دماغها بالدين الممنهج حقداً على آل بيت النبوة...

 

كما قد يسأل سائل بعقل راجح ... لماذا الحقد والكره على علي بن أبي طالب -عليه السلام؟ والذي انتقل بدوره إلى سيدة نساء العالمين -عليها السلام- ومنه إلى سيد شباب أهل الجنة الحسن والحسين ومن ثم إلى ذريتهم الأئمة الأطهار ومن تابعيهم حتى  صار قتلهم والتمثيل بمحبيهم رفعة وسمواً  في الدنيا وسمواً ورفعة في الآخرة عندهم.

 

جدير بكل الذي يشككون بحب شيعة محمد وآل محمد وحب الحسين وآل بيته أن يفهموا أن الله يخلق الإنسان وقد اختاره أن يكون من محبي الحسين أو لا ... قد يتصف عديد من أصحاب المذهب الشيعي بكثير من الغرابة وهذا يعود إلى الأيدي الخفية التي تشيعت وأرادت أن تلبس المذهب عباءة مرقعة لتغير من هيبة وحرمة من يرتديها وهذا لا أجد فيه أية غرابة ... فقوم قاموا بقتل سبط الرسول بعد أن سخط الله عليهم واختارهم وقوداً لجهنم في صحراء حارقة الرمال بأعداد وعدة قد فاقها غل لم يكونوا يدركون مكنونه إلا حين قُتِلَ الحسين -عليه السلام- وبكت من أجله الملائكة والسماوات والأرضون واهتزت فرائص الناموس البشري حتى آدم بكى والأنبياء ...

 

عشق الحسن جنون بدموع لا يمكن أن تبكيها السماوات والأرضون فحرقتها لا يعرفها إلا من أحب الحسين بجنون عقائدي شيعي جعفري...فحب محمد وآل محمد سار من الله هبة إلى محبيهم ... إن كلمة الشيعة تبقى عالية بحب الحسين وإن شابها المغرضون ؛فدم الحسين شعيرة ، على كل محب أن يصطبغ بها ويتوضأ مصلياً ساجداً  لله أن يقبله في جنته لحبه سبط الرسول وطريقه ، وأن يتبعه شفاعة إلى أية مرتبة في الجنة والحياة الأخرى ... نعم إن نحر الحسين وذبحه العظيم هما محراب النجاة من العقاب والعذاب تجسيداً للرسالة المحمدية وإيماناً بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره... وهنا بيّن الله أن القدر فيه الخير والشر ؛ لذا فمن كان مع الحسين هو الخير الذي اختاره، ومن تنحى عن الصراط المستقيم قد اختار طريق الشر... ؛فلا نجاة من جهنم إلا بسفينة النجاة....إن الخلود تبسم فرحاً حين ارتبط ذكره بالحسين الخالد إلى الأبد ...

 

أتمنى على الله أن لا يحرمني ويحرم كل محبي الحسين من ذرف الدموع على مصيبة أبي عبد الله وآل بيته ... ؛ليتجدد الجرح دوماً  لنبكي على مصيبتنا وخيبة أملنا في كوننا لم نكن من أصحاب الحسين -عليه السلام-...

 

لكن ومع ذلك فبالإمكان أن نكون من أصحابه بالسير على خطى ما رسمه في العطاء لإحياء دين جده محمد- صلى الله عليه وآله وسلم-؛ ليكون البوابة إلى طريق الله المختصر نحو الخلود مع الراغبين جوداً بأنفسهم وما ملكت أيديهم بظهور سيدنا ومولانا الإمام الغائب المنتظر  ( اللهم عجل فرجه وسهل مخرجه ) ولتكن مسيرة الملايين التي يقف العالم لها هيبة سواء كفرة كانوا أم أي مذهب وطائفة استغراباً بالعبق الحسيني الممتد منذ آلاف السنين حتى تقوم الساعة... فليكتبنا الله من محبي الحسين بن علي -عليهما السلام- عقلاءمجانين في حب الحسين.

 

عدد المشـاهدات 908   تاريخ الإضافـة 06/12/2015 - 11:45   آخـر تحديـث 15/12/2017 - 09:47   رقم المحتـوى 367
اشترك بقائمتنا البريدية ليصلك كل جديد